وهبة الزحيلي
52
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
ريح عاتية شديدة البرد أتت على نبات مزروع ، فأحرقته وأهلكته ، فلم يبق منه شيء ، وأعقب على صاحبه الحسرة والندامة ، ونظير ذلك قوله تعالى : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ ، فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [ الفرقان 25 / 23 ] وقوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً ، حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً [ النور 24 / 39 ] . وهكذا يمحق اللّه ثواب وثمرة أعمال الكفار التي عملوها في الدنيا ، كما يذهب ثمرة زرع بذنوب أصحابه ، وما ظلمهم اللّه بهذا بأن لم يقبل نفقاتهم بل جازاهم على عملهم الشر بالشر ، وكانوا هم الظالمين أنفسهم حيث لم يأتوا بها مستحقة للقبول : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى 42 / 40 ] . وسبب إحباط أعمال الكفار يوم القيامة ولو كانت صدقة في الخيرات ، هو فقد الإيمان ، وبناؤهم العمل على قاعدة الكفر ، وتركهم النظر في الدلائل الموصلة إلى الحق والصواب . فإن توافر الإيمان ، وصح اليقين ، وكان الإنفاق بقصد وجه اللّه تعالى ، لا للرياء والسمعة ، كان مقبولا عند اللّه ، لقوله تعالى : إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [ المائدة 5 / 27 ] . فقه الحياة أو الأحكام : إن الكفر أساس بلاء الإنسان في الآخرة ، وهو سبب ضياع ثمرة أعماله التي عملها في الدنيا ، فيكون جزاء الكافرين النار خالدين فيها أبدا ، ولن تفيدهم نفقاتهم المنفقة في دنياهم إلا الحسرة والندامة ، وليس عدم قبول نفقاتهم ظلما من اللّه لهم ، وإنما هم الظالمون لأنفسهم حيث لم يأتوا بها مستحقة للقبول فكفروا وعصوا ومنعوا حق اللّه تعالى ، وأنفقوا أموالهم رياء وسمعة ومفاخرة ، ولم يبتغوا بها وجه اللّه تعالى . وحالهم حال بؤس وشقاء وقلق واضطراب ، فهم كمن يزرع